ابن تيمية
80
مجموعة الفتاوى
فِي كُتُبِ الْمَقَالَاتِ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِنَا وَغَيْرِ أَهْلِ مِلَّتِنَا - مَقَالَاتُ الْإِسْلَامِيِّينَ الْمُصَلِّينَ وَمَقَالَاتُ غَيْرِهِمْ . وَكَثِيرٌ مِن العِبَادِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَثْبَتَ أَيْضاً ذَلِكَ إثْبَاتاً مُجْمَلاً وَتَوَهَّمُوا فِيهِ أَنْوَاعاً مِن التَّوَهُّمَاتِ الكفرية الَّذِي يَصِفُهَا عَارِفُوهُمْ . فَمِنْهُمْ مَنْ تَوَهَّمَهُ الْوُجُودُ الْمُطْلَقُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْمَوْجُودَاتِ كَالْإِنْسَانِ الْمُطْلَقِ مَعَ أَعْيَانِهِ وَأَفْرَادِهِ فَإِذَا تَعَيَّنَ الْوُجُودُ لَمْ يَكُنْ إيَّاهُ إذْ الْمُطْلَقُ لَيْسَ هُوَ الْمُعَيَّنُ كَمَا يَقُولُهُ الصَّدْرُ القونوي . وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ وُجُودَ الْمُمْكِنَاتِ هُوَ عَيْنُ وُجُودِهِ الْفَائِضِ عَلَيْهَا كَمَا يَذْكُرُهُ صَاحِبُ الْفُصُوصِ . وَمِنْهُمْ يَتَوَهَّمُهُ جُمْلَةَ الْوُجُودِ وَكُلُّ مُعَيَّنٍ فَهُوَ جُزْءٌ مِنْهُ كَالْبَحْرِ مَعَ أَمْوَاجِهِ وَأَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ مَعَ الْإِنْسَانِ . فَلَيْسَ هُوَ مَا يَخْتَصُّ بِكُلِّ مُعَيَّنٍ ؛ لَكِنَّهُ مَجْمُوعُ الْكَائِنَاتِ ؛ كَالْعَفِيفِ التِّلْمِسَانِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ الْفَارِسِيِّ البلياني وَيَقُولُونَ : إنَّ كُلَّ مَوْجُودٍ فَهُوَ مَرْتَبَةٌ مِنْ مَرَاتِبِ الْوُجُودِ أَوْ مَظْهَرٌ مِنْ مَظَاهِرِهِ بِمَنْزِلَةِ أَمْوَاجِ الْبَحْرِ مَعَهُ وَأَعْضَاءِ الْإِنْسَانِ مَعَهُ وَأَجْزَاءِ الْهَوَى مَعَ الْهَوَاءِ أَوْ بِمَنْزِلَةِ هَذَا الْإِنْسَانِ وَهَذَا الْحَيَوَانِ مَعَ الْحَيَوَانِ الْمُطْلَقِ وَالْإِنْسَانِ الْمُطْلَقِ . وَيَقُولُ شَاعِرُهُمْ ابْنُ إسْرَائِيلَ : وَمَا أَنْتَ غَيْرُ الْكَوْنِ بَلْ أَنْتَ عَيْنُهُ * وَيَفْهَمُ هَذَا السِّرَّ مَنْ هُوَ ذَائِقُ وَقَالَ : وَتَلْتَذُّ إنْ مَرَّتْ عَلَى جَسَدِي يَدِي * لِأَنِّي فِي التَّحْقِيقِ لَسْت سِوَاكُمْ